محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
287
الآداب الشرعية والمنح المرعية
كان فللتأديب ليتعلم السّلام المشهور ولهذا لا يقال بالكراهة في مسألتنا بل قد يقال ترك الأولى . فقد ظهر أن المسألة على قولين مأخوذين من كلام الإمام والأصحاب رحمهم اللّه وأنها محتملة لوجهين من جهة الدليل واللّه أعلم . فصل في النهي عن تحية الجاهلية وما هي ؟ قال أبو داود في الأدب من سننه حدثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرازق أنبأنا معمر عن قتادة أو غيره عن عمران بن حصين قال : كنا نقول في الجاهلية : أنعم اللّه بك عينا ، وأنعم صاحبا . فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك ، قال عبد الرزاق : قال معمر يكره أن يقول الرجل : أنعم اللّه بك عينا ، ولا بأس أن يقول أنعم اللّه عينيك . فهذه من أبي داود تدل على اختياره لذلك وهو من أصحاب إمامنا أحمد فاختياره يعد من مذهبه كاختيار غيره ولم أر أحدا من أصحابنا ذكر هذا غيره ، فإن كان ذكر قتادة محفوظا فهو لم يسمع من عمران وغير قتادة مجهول . وقد قال ابن الأثير في النهاية في حديث مطرف : ولا تقل نعم اللّه بك عينا فإن اللّه لا ينعم بأحد عينا ولكن قل أنعم اللّه بك عينا . قال الزمخشري الذي منع منه مطرف صحيح فيصح في كلامهم ، وعينا نصب على التمييز من الكاف والباء للتعدية والمعنى نعمك اللّه عينا أي نعم عينك وأقرها . وقد يحذفون الجار ويوصلون الفعل فيقولون نعمك اللّه عينا وأما أنعم اللّه بك عينا فالباء فيه زائدة لأن الهمزة كافية في التعدية تقول نعم زيد عينا وأنعمه اللّه عينا ويجوز أن يكون من أنعم إذا دخل في النعيم فيعدي بالباء ( قال ) ولعل مطرفا خيل إليه أن انتصاب المميز في هذا الكلام عن الفاعل فاستعظمه كما يقولون نعمته بهذا الأمر عينا والباء للتعدية ، فحسب أن الأمر في نعم اللّه بك عينا كذلك انتهى كلامه . وقال الجوهري أنعم اللّه صباحك من النعومة وأنعم اللّه بك عينا أي أقر اللّه عينك بمن تحبه ، وكذلك نعم اللّه بك عينا نعمة مثل علم علمة ونزه نزهة ونعمك عينا مثلها ، انتهى كلامه . ونعمك عينا مثلها . انتهى كلامه . ويتوجه أن النهي في حديث عمران إما لأنه كلام جاهلي فينبغي هجره وتركه ، وإما أنهم ربما جعلوه عوضا وبدلا من تحية الإسلام ( السّلام ) لاعتيادهم له وألفهم إياه ، فنهوا عن ذلك واللّه أعلم .